المجموعة القصصية (أرخص ليالي) ليوسف إدريس
مراجعة المجموعة القصصية (أرخص ليالي) ليوسف إدريس

*المجموعة القصصية الأولى للكاتب يوسف إدريس، قرأت له سابقًا رواية ومجموعة قصصية ومسرحية وكتاب في أدب الرحلات، أسلوبه السهل الممتنع، يستطيع بكل سلاسة أن يقدم لك فكرة مميزة بأحداث بسيطة وطريقة سرد قريبة من القارئ، مع وجود بعض الكلمات التي يتسم بها عصر كتابة تلك القصص.
أرخص ليالي تحتوي على 21 قصة قصيرة، تعبر كل منها عن الأشخاص ومشاعرهم، فيمكن أن يتحدث في قصة عن موقف بعينه لا يستغرق لحظات، وفي قصة أخرى يتحدث عن حياة كاملة وسنوات من عمر الأبطال، ومن أجمل القصص في المجموعة:
*ارخص ليالي.. عن الفلاح عبد الكريم الذي يتذكر كل تفاصيل حياته ومواقفه اليومية في الساعة التي تلي صلاة الفجر وعند عودته لمنزله متخبطًا في الصغار الذين يلعبون في الطرقات، لا أعلم كيف لصغار أن يبقوا فجرًا في الشارع، ولكن كانت القصة منذ البداية متعلقة بالصغار وهذا ما فهمته حين وصلت لنهايتها.
*نظرة.. قصة لا تتعدى الصفحة ونصف، تصف بكل دقة كيف هو الحرمان من نظرة واحدة! قصة مكثفة ورسالتها واضحة.
*الشهادة.. بقابل تلميذ الثانوي الذي تخرج من الكلية منذ سنوات ويعمل في وظيفة مرموقه المدرس الذي شكل حياته المستقبلية وتفكيره، الذكريات والحديث مع المدرس كان مختصر ولكنه مكثف، كانت القصة تعبر عن الأمتنان بشكل واضح، وإنك ربما تكون مؤثر في حياة شخص ما بصورة كبيرة دون أن تدري.
*ابو سيد... من القصص الجريئة التي استطاع الكاتب الخوض فيها بكل احترافية وقدرة على توصيل الفكرة بالكلمات بالمناسبة البسيطة ودون الحاجة لأي أسلوب فج.
*ع الماشي... حكاية محام يركب قطار ويجلس بجانبه شخص ما يحاول جذ اطراف الحديث معه، قصة تبين لك أن العلاقات قد تبدأ ع الماشي، وكذلك المصالح يمكن أن تقضى ع الماشي.
*الهجانة... قرية تتعرض للقهر من الهجانة والثلاث عساكر فلا يستطيع اهلها الخروج ليلا أبدًا، شعرت إن تلك القصة اسقاط على واقعًا ما ربما كان أوضح في زمن القصة الأصلي.
*الحادث.. زوجين خلال سفرهم للقاهرة وتنزهم على النيل يشاهدون حادث، طوال القصة لا تصدق الزوجة كيف يمكن ترك طفل هكذا وحده في مركب بالنيل، مع نهاية القصة شعرت أنه ليس مجرد حادث وربما هذا الطفل لم يكن غريب!!
*الأمنية.. من القصص التي تأخذك لفكرة التمني حتى وأن كانت الأحلام بسيطة ولكنني ضحكت في نهايتها.
*أم الدنيا.. تحكي القصة عن سبعة اشخاص عائدون من الغربة إلى مصر على متن باخرة، يعرفك الكاتب على اسمائهم ووظائفهم وبماذا يعود كل منهم وحلمه، واحد يعمل سائق ويخاف على السيارة التي يعود بها لصاحب العمل بخدش لا يعلم كيف يخفيه، واخر يخاف على الصناديق التي حمل فيها اشياءه من أن ترفضها الجمارك ويعود بها، واخر يحمل صندق بدلته التي يحبها لدرجة أنه يحتفظ بها للمشاهدة ولا يرتديها، يجعلك تعيش معهم طوال الرحلة حتى تصل إلى ميناء الإسكندرية، الباخرة كانت كأنها أم الدنيا بشكل مصغر بالفعل، من أجمل القصص في المجموعة.
*مشوار.. تحكي القصة عن العسكري الشبراوي الذي كان يحلم بالذهاب إلى القاهرة، وتحققت أمنيته حينما جاءته مهمة نقل المريضة زبيدة لمستشفى الأمراض العقلية، طوال القصة وأنا أبتسم للمواقف التي تضعه فيها ومتوقعة إنها ستحاول الهرب في لحظة ما، القصة كانت مسلية جدًا وزبيدة نفسها كانت مسلية، لم اتوقع نهايتها ورقة قلب الشبراوي عليها هكذا ولكنني شعرت إنها عاقلة بما فيه الكفاية لتنقذه.
*خواطري:
-القصص تحكي "حال الأبطال دائمًا، حالهم تعني كيف يشعرون وكيف يعيشون وحتى مظهرهم تشعر وكأنك تراهم، الحوار في القصص كان قليل جدًا، ولكن في حالة وضعه كان بالعامية المصرية الدارجة في ذلك الوقت، مما يجعلك تشعر بالواقعية بصورة واضحة، الكلمات والألفاظ وحتى بعض الشتائم كانت تعبر عن هذا العصر، حتى في حالة عدم وجود الحوار المصري العامي تشعر وكأنك ترى كافة التفاصيل التي تعبر عن هذا العصر بالفعل.
بعض القصص أعجبتني وهي ما سلطت عليها الضوء في المراجعة، والأخرى كانت عادية بالنسبة لي أو لم تنل نفس قدر اعجابي بالأخرين.
*بعض الاقتباسات من المجموعة:
-تسربت إلى نفس من خلال كلماته تلك اللحظة التي نعرفها جميعًا، والتي نحس فيها أننا أوهن من الضعف، وأتفه من العجر، وأننا مضيعون، تلك اللحظة التي لا نملك معها إلا البكاء، فيحملنا البكاء إلى بكاء.
-هكذا رأها أول مرة، ثمينة في دقائقها، حتى ليخاف على ملامحها من نظراته، رائعة في كلها، حتى لتروي ظمأ البشر أجمعين إلى الجمال.
-الفكرة شيء إنساني عجيب، فهي دائمًا تتطلب عملًا وجهدًا، واحيانًا تخطر للإنسان فكرة فيظل يستضعفها ويهملها وهو كاره ما وراءها من عمل حتى يقتلها، واحيانًا تخطر له فكرة فيها جدة، وفيها روعة ولذة، فتقلب هدوءه رأسًا على عقب، وتنفخ فيه أطنانًا من النشاط.
ما هو رد فعلك؟






